رسالة مختصرة في الحث على التشبه بالنبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) خصوصا (في زيه ولباسه) (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) الشيخ محمد بن إبراهيم المصري


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، وخير خلق الله أجمعين رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد... فقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا}
فالذي يرجو الله تعالى ويخشاه ويؤمن به، والذي يريد الآخرة، ويؤمن ويوقن بها؛ فإنه لابد أن يكون من الحريصين على الاهتداء، والتأسي برسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) فإن الله تعالى قد جعله خير خلقه، وجعل قلبه خير القلوب، وأحواله أحسن الأحوال؛ فلابد أن تكون سيرته وسنته خير السير والسنن، ولابد أن يكون هديه خير الهدي.
أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدى محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)،
ولابد أن يكون كلامُه خيرَ كلامِ المخلوقين؛ كما قال الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله تعالى-:
خير الكلام ومن خير الأنام بدا من خير قلب به قد فاه خير فم
فما أخسر صفقة من حاد عن منهج رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) سرًّا، أو علنًا!
وما أسوأ حال من ابتعد عن طريق رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) في صغير، أو كبير!
وما أشد جهل من ترك اتباع هدي رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) باطنًا، وظاهرًا!
فإن اتباع هدي النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) لابد أن يحرص عليه المسلم في الظاهر، كما يحرص عليه في الباطن؛ فإن هناك تلازمًا بين الظاهر، والباطن،
وكلما كان المؤمن أكثر حرصا على الهدي النبوي الباطن والظاهر، مخلصا في هذا لله تعالى؛ كان أزيد إيمانا، وأحسن إيقانا.
وإن من الهدي الظاهر الذي ينبغي الحرص عليه؛ التَّشَبُّهُ بالنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) في زِيِّهِ، وَلِبَاسِهِ.
وقد قال النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) كما في صحيح مسلم(1) من حديث تميم الداري (رضي الله عنه): {الدِّينُ النَّصِيحَةُ}. قيل: لمن؟ قال (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ): {لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ}.
وقد ذكر الإمام محمد بن نصر المروزي في بيانه لمعنى النصيحة لرسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)(2) أن منها: التشبه به (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) في زِيِّهِ، وَلِبَاسِهِ.(3)
وهذا المعنى أوضح وأجلى إذا كان التارك للتشبه بالنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) في لباسه يتشبه فيما يلبسه -قاصدا أو غير قاصد-(4) بحثالات الكفرة في الغرب أو الشرق.
وقد ثبت في (صحيح مسلم) أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه -لما لبس ثوبين معصفرين: {إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ؛ فَلَا تَلْبَسْهَا}.(5)
فدل هذا الحديث وغيره دلالة واضحة على حرمة التشبه بالكفار في الزِّيِّ، وَاللِّبَاسِ.
والأدلة على حرمة التشبه بالكفار والمشركين عموما أكثر من أن أستطيع حصرها.(6)
وقد جاء في (مسند الإمام أحمد)، وغيرِه من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما -أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: {بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، حَتى يُعْبَدَ الله وحْدَه لا شَرِيكَ لَه، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ؛ فَهُوَ مِنْهُمْ؟}(7).
فالمتشبه بالكفار يُخْشَى عليه أمرٌ عظيمٌ، وتزداد هذه الخشية كلما كان أكثر إمعانا في التشبه بهم، نسأل الله السلامة.

فاستحضِرْ أيها المؤمن الراغب عن التشبه بالمشركين -وإن فَشَتْ ألبِسَتُهُمْ بين المسلمين-، والحريص على التشبه بسيد الناس أجمعين، والمحافظة على تميز المسلمين: أنك بهذا تفارق الكافرين مفارقة أمرك الله بها؛ فلست تسكن في بلد المشركين، ولست تتشبه بهم؛ تريد بهذا الفرار عن أن تخلد معهم في النار، أو أن تكون معهم فيها قليلا.
واستحضر أيضا أنك بهذا تحب الله، وتطلب رضاه، وتلزم صراطه المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم؛ من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}.
وأنك تفعل هذا ائْتِمَارًا بأمر الله ورسوله، وانتهاء عما نهى الله عنه ورسوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ).
استحضر أنك تحيي سنة رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، وآله الطاهرين، وصحبه الطيبين في القمص، والبرانس، والعمائم، والقلانس.
تفعل هذا محبا لرسول الله(8)(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ)، و: {الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ}.(9)
تلبس اللباس الشرعي وأنت تتذكر الأنبياء، والمرسلين، والصحابة، والتابعين، والأئمة، والمجاهدين.
- ولا تلتفت إلى تَثْبِيطِ مُثَبِّطٍ، أو تَمْيِيعِ مُمَيِّعٍ، أو تساهل متساهل، أو اعتراض جاهل، ولا إلى استهزاء مستهزئ:
وَعَيَّرَنِي الوَاشُـونَ أني أحبها وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارُها
- إياك أن تلتفت إلى الناس، لا تلبس تقربا إليهم، ولا تخلع لباسا تقربا إليهم، ولا تَرْجُ وجوههم؛ بل اقصد وجه الله، وأخلص نيتك لله، لا تَزْهُ بنفسك {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}.
{رَبَّنَا ءَاتِنَا مِنْ لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
والحمد لله رب العالمين.
كتبها
محمد بن إبراهيم
بالإسكندرية(10) في ليلة الخميس
العشرين من شهر المحرم لسنة ست وثلاثين وأربعمائة وألف


وأخيرا:
{يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد!
وإذا تشبه بالمذنبين فحاله وحالهم واحد!
يا من سمع ما يلين الجوامد، وطرفه جامد! وقلبه أقسى من الجلامد!
يا من بَرُدَ قلبه عن التقوى؛ كيف ينفع الضرب في حديد بارد؟!

يــا نفس أنى تؤفكينـا *** حـــتى متى لا ترعوينا
حـتى متى لا تـعقليــن *** وتبصـرين وتسمعينـــا
يــا نفس إن لم تصلحـي *** فتشبهـي بالصالحينــــا(11)


-----------------------------------
(1) صحيح مسلم (55).
(2) في كتابه (تعظيم قدر الصلاة) (ص/ 453).
(3) قال –رحمه الله تعالى-: {وأما النصيحة لرسول الله -صلى آله عليه وعلى آله وسلم –في حياته؛ فبذلُ المجهود في طاعته، ونُصرتِهِ، ومعاونَته، وبذل المال إذا أراده، والمسارعة إلى محبته.
وأما بعد وفاته؛ فالعناية: بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه، وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة، أو صهر، أو هجرة، أو نصرة، أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام، والتَّشَبُّهُ به في زِيِّهِ، وَلِبَاسِهِ}.
(4) وعدم القصد للتشبه لا يجعله غير تشبه؛ فعدم قصد المعصية لا يقلب المعصية غير معصية.
(5) صحيح مسلم (2077).
(6) وانظر (اقتضاء الصراط المستقيم) لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-.
(7) مسند الإمام أحمد (2/ 50، 92)، وانظر: (سنن أبي داود) (4031)، و(إرواء الغليل) (5/ 109: 111).
(8) قال الحافظ ابن رجب –رحمه الله تعالى– في (الحكم الجديرة بالإذاعة) من قول النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم–: (بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) (ص/ 60): {يشرع الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم– في أقواله، وأفعاله، وحركاته، وسَكَنَاتِهِ، وآدابه، وأخلاقه، وذلك مقتضى المحبة الصحيحة؛ فإن المرء مع من أحب، ولابد من مشاركته في أصل عمله، وإن قصر عن درجته}.
(9) كما ثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه في الصحيحين، وغيرهما؛ من طرق متعددة.
(10) وكان سبب كتابة هذه الرسالة أنني رأيت في كثير من المصلين، والملتحين، وأئمة المساجد في الإسكندرية –صانها الله تعالى– تقصيرا ظاهرا في الهدي الظاهر، واللهَ أسألُ لي، ولسائر المسلمين أن يرزقنا الهداية، وأن يبعدنا عن الغواية.
(11) من (الحكم الجديرة بالإذاعة) للحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-.